RESOURCES

1

“The danger of fatwas based on ideological and fragmented reading of hadiths: A study of some of the fatwas circulating in the literature of extremists groups”.

Author: Gapur Oziev, Abdurahman Obeid Hussein

“The danger of fatwas based on ideological and fragmented reading of hadiths: A study of some of the fatwas circulating in the literature of extremists groups”.

يناقش كتاب "القراءات السياسية لأحاديث الفتن والملاحم: دراسة في منهج الفتوى" للدكتور عبد الرحمن حسين عبيد، الإشكالية المتعلقة بتأويل النصوص الدينية واستغلال أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة لخدمة أجندات سياسية وأيديولوجية. يوضح الباحث كيف خضع تأويل النصوص القرآنية والنبوية عبر التاريخ لضوابط أصولية راسخة أرساها علماء الإسلام لحماية الدين من التلاعب، إلا أن الفرق السياسية والجماعات المتطرفة قديماً وحديثاً عمدت إلى تأويلات تعسفية واقتطاع للنصوص وتنزيلها على واقعها المعاش لشرعنة الحروب والتكفير وسفك الدماء واستقطاب الاتباع. يستعرض الكتاب الضوابط الأصولية للتأويل المعتدل في الإفتاء، ويسلط الضوء على الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية التي هيأت بيئة نشوء الفتاوى الخطيرة، خصوصاً في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وما شهدته بالد القوقاز وآسيا الوسطى. كما يدرس الكتاب التطبيقات التاريخية لتأويل أحاديث الفتن بدءاً من عهد الصحابة الكرام والفرق الأولى كالخوارج، ويتناول بالتحليل نماذج معاصرة لتأويلات تعسفية لأحاديث صحيحة تم توظيفها لتسييس الفتوى وتسويق التطرف لدى تنظيمات وجماعات مسلحة مختلفة.
التمهيد (ص 5 - 8):
يتناول التمهيد المدخل العام للدراسة، حيث يوضح أن تأويل النصوص الدينية خضع لضوابط دقيقة وضعها العلماء لحماية الشريعة من العابثين، مشيراً إلى استخدام الفرق السياسية عبر التاريخ للأحاديث النبوية لخدمة أغراضها، وصولاً إلى الجماعات المسلحة المعاصرة التي تدعي احتكار المعرفة وتستغل صحاح الأحاديث في الفتن والملاحم لإقامة دولة وهمية وتبرير حروبها، مع استعراض هيكل الكتاب وفصوله الأربعة.

الفصل الأول: أسس التأويل المعتدل للفتوى (ص 9 - 16):
يركز هذا الفصل على القواعد والأسس الأصولية والمنهجية للتأويل الوسطي المعتدل في مجال الإفتاء، مؤكداً على ضرورة فهم الواقع واستيعاب ظروف الواقعة ومقاصد الشريعة الكلية قبل التنزيل. كما يناقش الفصل خطورة إنكار الإجماع والعقل الجمعي للأمة وتهميش الأصول التشريعية من قبل التيارات المتطرفة، وكيف يؤدي انحراف التأويل الجاهل إلى إشاعة الفوضى والافتراء على الدين.

الفصل الثاني: عوامل التطرف والظروف المهيئة لإنتاج الفتاوى الخطيرة في المستويين النظري والتطبيقي (ص 17 - 24):
يدرس الفصل الخلفيات التاريخية والسياسية والاجتماعية التي ساهمت في ظهور الفكر المتطرف وصناعة الفتاوى التكفيرية، متناولاً بالتفصيل الحقبة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي وسياسات الاضطهاد الديني والإلحاد القسري، وما أعقب انهيار الاتحاد من فراغ مرجعي وتدخلات خارجية ونشاط للبعثات الدينية والصراع بين المذاهب التقليدية والتيارات السلفية الجهادية وتأثير ذلك على تحول المساجد وتصاعد التوتر والدفاع الأيديولوجي.

الفصل الثالث: تأويل أحاديث الفتن في القرون الأولى بين العصمة والظن (ص 25 - 38):
يتناول الفصل المسار التاريخي لتأويل أحاديث الفتن والملاحم في صدر الإسلام، مبنياً كيفية التعامل مع الظنيات والمشتبهات من النصوص في زمن الصحابة الكرام (مثل حديث ابن الصياد والقيادات الشابة)، ثم ينتقل لدرس ظهور فرقة الخوارج وتطور التأويل لديهم عبر مراحله التاريخية، وكيف وظفوا المقولات السياسية والتأويالت المرتجلة لشرعنة الخروج وقتل المسلمين ونبذ أحكام الشريعة المجمع عليها كالرجم.

الفصل الرابع: نماذج من التأويلات التعسفية لأحاديث صحيحة بغية تسييسها وتسويقها في ميدان التطرف (ص 39 - 58):
يقدّم الفصل دراسة نقدية تحليليّة لمجموعة من الأحاديث النبوية الصحيحة التي تعرضت للتأويل التعسفي والتسييس من قبل الجماعات المتطرفة. وتشمل هذه النماذج: حديث مصلح القرن، وتعدد معاني المشرق والمغرب، وحديث مرج دابق، وأحاديث الذبح وإباحة الدم، وأحاديث فضل الشام وجماعاتها المسلحة، وفتنة الأحلاس، وتأويل الأحاديث الناهية عن القتل لخدمة أجندات قادة الحروب والجماعات المسلحة.

الخاتمة (ص 59 - 60):
تستعرض الخاتمة خلاصة النتائج التي التوصل إليها في الكتاب، محذرة من خطورة استغلال الأحاديث النبوية وتأويلها بعيداً عن منهج العلماء الأثبات ومقاصد الشرع، ومؤكدة على أن الفتن والحروب لا تمنح مشروعية لأفكار التكفير والقتل، وأن العودة إلى الفهم المقاصدي الشامل والمنضبط هي السبيل الوحيد لحفظ الأمة وتصحيح منهج الفتوى.

قائمة المصادر والمراجع (ص 61 - 65):
تتضمن القائمة حشداً شاملاً وتوثيقاً منهجياً لكافة المصادر والمراجع العلمية والتاريخية والفقهية والأصولية والمجلات والدراسات الأجنبية والروسية التي اعتمد عليها الباحث في بناء أطروحته ودراسته النقدية.
يمثل كتاب "القراءات السياسية لأحاديث الفتن والملاحم: دراسة في منهج الفتوى" للدكتور عبد الرحمن حسين عبيد دراسة أصولية نقدية وفكرية معمقة تنصبّ على معالجة إشكالية استغلال النصوص النبوية وتوظيفها السياسي والفكري من قبل الجماعات المتطرفة والفرق الإسلامية عبر التاريخ وفي العصر المعاصر. ينطلق الباحث من حقيقة منهجية مفادها أن الشريعة الإسلامية أرست قواعد وضوابط صارمة لتأويل القرآن الكريم والسنة النبوية، وشكّلت هذه الضوابط صمام أمان لمنع التلاعب بالنصوص وإخضاعها للميول والرغبات الفردية أو الحزبية. غير أن التاريخ الفكري والسياسي للأمة شهد محاولات مستمرة للالتفاف على هذه الضوابط، سيما فيما يتعلق بأحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة، نظراً لطبيعتها الغيبية وقابليتها للربط التعسفي بالواقع والأحداث الجارية.

تتوزع هيكلية الكتاب على تمهيد وأربعة فصول رئيسة وخاتمة وقائمة بالمراجع. في التمهيد، يستعرض الباحث الجذور التاريخية للتأويلات السياسية للنصوص منذ العصر الأموي، متتبعاً توظيف الأحاديث النبوية المتعلقة بأحداث الغيب والفئة الباغية وملاحم آخر الزمان لكسب الأنصار والطعن في شرعية الخصوم السياسيين. ثم يعقد مقاربة مع واقع الجماعات المسلحة في العصر الحديث التي أدعت احتكار العلم وعمدت إلى اقتطاع النصوص وتأويلها ظاهرها وبصورة مجتزأة لا ترعى وزناً للمقاصد الشرعية ولا لفقه الأئمة الأعلام، مما خلق بلبلة واسعة في صفوف الشباب وانقادوا لتفسيرات ظاهرية أودت بهم إلى العنف والتكفير.

في الفصل الأول، يؤسس الباحث لـ "أسس التأويل المعتدل للفتوى"، متناولاً الفتوى بوصفها المظهر الثقافي والشرعي للمذاهب الفقهية، ويرى أن الإفتاء ليس مجرد نقل للنص بل هو عمل مركّب يتطلب دراسة الواقع وإدراك ظروف المستفتي ومراعاة مقاصد الشريعة والربط بين الكليات والجزئيات. وينتقد الباحث التيار السلفي الجهادي لغياب نظام إفتاء متكامل لديه وتصدر الشبان للإفتاء بجرأة ودون تمكن من علم أصول الفقه وفنون التأويل. كما يبرز الفصل دور الإجماع كأصل ثالث من أصول التشريع، موضحاً كيف تعمد التنظيمات المتطرفة إلى تهميش الإجماع والعقل الجمعي للأمة وتأويل المتشابهات لتحويلها إلى محكمات تخدم عقائدها الخاصة وتبرر خروجها عن جماعة المسلمين.

وفي الفصل الثاني، يحلل الباحث العوامل والظروف البيئية والسياسية والاجتماعية التي ساهمت في إنتاج الفتاوى الخطيرة في المستويين النظري والتطبيقي. ويتخذ من منطقة القفقاس وآسيا الوسطى وبقية جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق نموذجاً تحليلياً رئيسياً. إذ يشرح سياسات الإلحاد القسري والقمع الهيكلي الذي مارسه النظام السوفييتي ضد كافة الأديان، وما أحدثه انهيار الاتحاد سنة 1991 من فراغ مرجعي وديني كبير. ساهم هذا الفراغ في دخول البعثات والتكتالت المذهبية الخارجية التي دخلت في صراع بارد مع المدارس الفقهية التقليدية (الحنفية والشافعية)، وتطور هذا الصراع من التوتر والتخندق إلى المواجهة الدموية وتبادل أحكام التكفير، وتوظيف المساجد والمؤسسات الدينية كساحات للاستقطاب الأيديولوجي والسياسي.

أما الفصل الثالث، فيفرد لقراءة "تأويل أحاديث الفتن في القرون الأولى بين العصمة والظن". حيث يتتبع المسار التاريخي لهذه الأحاديث بدءاً من عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، مستدلاً بحديث ابن الصياد لبيان أن فهم الصحابة لأحاديث الغيب والفتن لم يكن قائماً على القطع واليقين بل على الاجتهاد والظن، ولهذا لم يُبنَ عليه أحكام قاطعة كالقتل. كما يدرس الفصل كيفية تعامل الصحابة مع القيادات الشابة، ثم يتناول نشأة فرقة الخوارج وتطور نظام التأويل لديهم عبر مراحل التأسيس السياسي والهيمنة والتنظير الفكري. ويبين الباحث كيف تجرأ الخوارج على تخطي ضوابط التأويل، وإهدار نصوص الشريعة المجمع عليها، وإسقاط أحاديث الفتن على مخالفيهم لإباحة دماء المسلمين ونسخ أحكام فقهية قطعية كالرجم بحجة عدم ذكرها في القرآن.

وفي الفصل الرابع، يقدّم الباحث نماذج تطبيقية تفصيلية لتأويالت تعسفية واجهت أحاديث صحيحة بغية تسييسها وتسويقها في ميدان التطرف. ومن هذه النماذج: حديث "مصلح القرن" وكيفية استغالله من قبل الحركات المهدوية (كالحركة المهدوية في السودان وحادثة جهيمان العتيبي في مكة) والانقلابات العسكرية؛ وتعدد دلالات "المشرق والمغرب" جغرافيّاً وتوظيفها أيديولوجياً؛ وحديث "مرج دابق" وأحداث الفتح العثماني وتوظيف تنظيم القاعدة و"داعش" له؛ وأحاديث "الذبح" وإباحة دماء المخالفين؛ وأحاديث "فضل الشام" واستغلالها لاستقطاب الشباب من مختلف دول العالم؛ وفتنة "الأحالس"؛ وأخيراً تحريف الأحاديث الناهية عن قتل المسلمين وتأويلها لخدمة بارونات الحروب والقادة المتطرفين.

تخلص الخاتمة إلى التوكيد على خطورة الانحراف في التأويل وتجريد النصوص من سياقاتها ومقاصدها، مشددة على أن علاج التطرف يبدأ من إصالح منهج الفتوى والالتزام بالأصول الفقهية الجامعة ومراعاة العقل الجمعي وإسقاط القراءات السياسية النفعية عن نصوص الفتن والملاحم.
تمهيد (ص 5 - 8):
يبدأ الباحث بالتمهيد للدراسة مبيناً أن تأويل النصوص الدينية من القرآن والسنة لم يكن يوماً عملاً عشوائياً أو مسألة ذوقية فردية، بل خضع لضوابط أصولية ودقيقة أرساها علماء الإسلام لتكون بمثابة صمام أمان يمنع العابثين والمتعصبين من تحريف النصوص لخدمة أهوائهم السياسية والعقائدية. غير أنه ورغم هذه الضوابط الراسخة، لم يخلُ التاريخ الإسلامي من ظهور فتاوى ذات طابع سياسي ناتجة عن تأويلات تعسفية لبعض الأحاديث، لا سيما منذ العصر الأموي حيث استُخدمت أحاديث الأحداث الغيبية والفتن والملاحم لتعزيز شرعية أطراف على حساب أطراف أخرى، كالحديث عن الفئة الباغية أو المختار الثقفي والحجاج بن يوسف.

ويوضح الباحث أن الساحة المعاصرة تشهد تفاقماً غير مسبوق لهذه الظاهرة مع ظهور الجماعات المسلحة والتنظيمات الراديكالية التي تدعي احتكار العلم والحقيقة وتضع شعارات براقة لخداع الشباب غير المتعلم، سعياً لإنشاء خالفة وهمية لا تمت بصلة لمقاصد الإسلام. وقد جعلت هذه الجماعات من الأبواب الخاصة بالفتن والملاحم وأشراط الساعة المصنفة في كتب الصحاح والسنن مرجعاً أساسياً لحروبها وتكفيرها للمجتمعات. ويحذر الباحث من أن أحاديث الفتن قابلة للربط التعسفي بالواقع المعاش في أزمان وبلدان مختلفة، مما يخلق بلبلة فكرية ويسهل انقياد الشباب للتفسيرات الظاهرية. ثم يعرض الباحث خطة الكتاب المقسمة إلى أربعة فصول رئيسة تبدأ بأسس التأويل المعتدل، ثم عوامل التطرف، فـتأويل الأحاديث في القرون الأولى، وأخيراً شرح نماذج من التأويلات التعسفية للأحاديث الصحيحة.

الفصل الأول: أسس التأويل المعتدل للفتوى (ص 9 - 16):
يناقش هذا الفصل القواعد والأسس التي يقوم عليها التأويل الوسطي في منهج الإفتاء. يستهل الباحث الفصل ببيان أن نظام الفتوى يمثل الواجهة الثقافية والفقهية للمذاهب الإسلامية، وهو نظام معقد يعتمد على الأدبيات الفقهية الراسخة وكتب الشروح والحواشي للمذهبين الحنفي والشافعي كما هو الحال في بالد الاتحاد السوفييتي السابق، حيث لا يتصدر للإفتاء إلا الأئمة والعلماء المتمكنون. ويبين الباحث أن إحدى المشاكل الكبرى في التيار السلفي الراديكالي تمثلت في غياب نظام فتوى متكامل للفتوى لديه، وتصدُر شبان غير متمكنين لرد فتاوى العلماء المعتبرين بالاستناد إلى ظاهر الأحاديث فقط بسبب ضعف معرفتهم بفنون التأويل وأصول الفقه وجهلهم التام بواقع المستفتي وظروف الواقعة.

ويستشهد الباحث بأقوال الأئمة الأعلام كالشافعي والنووي وابن القيم والشاطبي والقرافي للتأكيد على أن الفتوى تقتضي فهم الواقع والفقه فيه ومطابقة الحكم الشرعي على الواقع الميداني، وأن المفتي نائب عن النبي صلى الله عليه وسلم وشارع من وجه. كما يقدم الفصل نموذجاً للتأويل الوسطي المعتدل في فهم الأحاديث النبوية، مثل حديث «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»؛ حيث يوضح كيف استغلت الجماعات المتطرفة هذا الحديث لتكفير من لا يبايع أمراءها، في حين أن الشراح القدامى كابن حجر والنووي والشوكاني فسروا "الميتة الجاهلية" بالمعنى السياسي والتنظيمي المعني بالفوضى وانعدام الأمن والعدالة الاجتماعية وليس الكفر العقائدي.

بالإضافة إلى ذلك، ينبه الفصل على قضية تهميش "الإجماع" من قبل التنظيمات المتطرفة؛ حيث تنكر هذه التنظيمات حجية الإجماع وتعتبره مجرد ادعاءات تاريخية، فتستغني عنه بالعودة المباشرة إلى النص المفهوم بذاتيتها الحزبية. ويحذر الباحث نقلاً عن الإمام الغزالي من خطورة إنكار الإجماع لأنه يؤدي إلى تفكيك عرى الجماعة وفتح الباب أمام التأويالت الباطنية والفاسدة للنصوص النبوية والقرآنية.

الفصل الثاني: عوامل التطرف والظروف المهيئة لإنتاج الفتاوى الخطيرة في المستويين النظري والتطبيقي (ص 17 - 24):
يتناول هذا الفصل بالتفصيل العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية التي شكلت البيئة الخصبة لنشأة الفتاوى الخطيرة والتطرف. يستعرض الباحث الحقبة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي، موضحاً أنها كانت فترة استثنائية من الاضطهاد الديني الشامل ومحاولة استئصال مظاهر التدين لجميع الأديان، وخاصة الإسلام والمسيحية، عبر المعتقالت الرهيبة (الغوالغ) والسياسات القمعية المنظمة. إلا أن الروح الدينية سرعان ما عادت للظهور بقوة عقب سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991.

ويشرح الفصل كيف أدى سقوط الاتحاد السوفييتي إلى حالة من الفراغ المرجعي والديني والدخول في مرحلة من الفوضى، مما فتح المجال أمام التدخلات الخارجية والإرساليات الدينية. ونشأ صراع بارد بين المدرسة الفقهية التقليدية (الحنفية والشافعية) التي تمثل المؤسسة الدينية الرسمية والمحلية، وبين المدرسة السلفية الجهادية الوافدة التي اتخذت مرجعيات خارج البيئة الثقافية لبالد القوقاز وآسيا الوسطى. واستغلت الجماعات الوافدة ثغرات الفكر التقليدي واستقطبت الشباب عبر المساعدات والمنح الدراسية والكتيبات المترجمة.

ويتتبع الباحث مراحل الصراع الثلاث بين الطرفين: المرحلة الأولى اتسمت بالحذر وترسيم الحدود، والمرحلة الثانية اتسمت بالتوتر والتخندق الفكري، أما المرحلة الثالثة فتمثلت في التصعيد والمواجهة الدموية وإصدار أحكام التكفير المتبادلة. ويبرز الفصل كيفية تحول المسجد من دور العبادة والتعليم التقليدي المنضبط إلى ساحة للتوظيف الأيديولوجي والاستقطاب السياسي والعقائدي، مما خلق أزمة هوية دينية هددت الأمن القومي والاجتماعي في تلك الجمهوريات.

الفصل الثالث: تأويل أحاديث الفتن في القرون الأولى بين العصمة والظن (ص 25 - 38):
يتتبع هذا الفصل المسار التاريخي لتأويل أحاديث الفتن والملاحم بداية من العصر النبوي وعهد الصحابة رضوان الله عليهم. يوضح الباحث أن الاختالف في تأويل نصوص الفتن ظهر حتى في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما حدث في قصة "ابن الصياد" أو "ابن الصائد"؛ حيث التبس أمره على الصحابة وحلف عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله أنه هو المسيح الدجال، بينما توقف آخرون لعدم حسم النبي للأمر بشكل قاطع. ويستخلص الباحث من قصة ابن الصياد دروساً أصولية هامة: جواز تأويل الأحاديث الغيبية، وعدم جواز اتخاذ أحكام قاطعة وسفك الدماء بناءً على التأويل الظني لأحاديث الغيب.

كما يدرس الفصل الأحاديث التي تأولها الصحابة بشأن القيادات الشابة، موضحاً الفارق بين الاستعانة بشباب في القيادة العسكرية مع وجود كبار الصحابة المستشارين (كما في أسامة بن زيد) وبين تسليم قيادة الأمة لفتية سفهاء األحالم ال خبرة لهم بالسياسة وال الشريعة كما حدث في عهود الفتن. ثم يحلل الباحث ظاهرة التأويل عند فرقة الخوارج، مشيراً إلى أن تأويل علي بن أبي طالب لحديث «حدثاء الأسنان سفهاء الأحالم» وتنـزيله على الخوارج كان مستنداً إلى قرائن واضحة واجتهاد سياسي لحماية الدولة من االنهيار.

ويعرض الفصل بالتفصيل تطور منهج التأويل لدى الخوارج عبر ثلاث مراحل تاريخية: مرحلة التأسيس السياسي وشعار «لا حكم إلا لله»، ومرحلة االنتشار والهيمنة العسكرية في فارس وكرمان، ومرحلة التنظير الفكري والاستعارة من علم الكلام المعتزلي. ويبين كيف تجرأت الخوارج على إسقاط حجية أحاديث نبوية متواترة المضمون، ورفض أحكام شرعية قطعية كالرجم بحجة عدم ورودها في القرآن، واستباحة دماء المسلمين وأموالهم بناءً على تأويلات تعسفية ومقولات سياسية براغماتية.

الفصل الرابع: نماذج من التأويلات التعسفية لأحاديث صحيحة بغية تسييسها وتسويقها في ميدان التطرف (ص 39 - 58):
يقدم هذا الفصل تحليلاً نقدياً مفصلاً لعدة نماذج من الأحاديث النبوية الصحيحة التي تعرضت للتأويل التعسفي والتسييس من قبل الجماعات المتطرفة والفرق المختلفة عبر التاريخ:

1. حديث مصلح القرن «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»: يشرح الباحث الاختالف الفقهي في معنى المجدد وهل هو فرد أم جماعة، وكيف استغلت هذا الحديث الحركات المهدوية المختلفة (كالحركة المهدوية في السودان بزعامة محمد المهدي، وحادثة جهيمان العتيبي في مكة عام 1400هـ) لشرعنة دعواها وإضفاء صفة التجديد على مشاريعها السياسية والانقالبية.

2. تعدد معاني "المشرق والمغرب" في أحاديث الفتن: يتناول كيف انشغلت الجماعات المسلحة بتحديد النطاق الجغرافي للبداية في الملاحم الكبرى، وتأويل حديث «لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق»، حيث فسره القرطبي بشمال إفريقيا وفسره آخرون ببلاد الشام أو نجد والحجاز لتوجيه الصراع العسكري.

3. حديث مرج دابق: يحلل الباحث حديث نزل الروم بـ "الأعماق" أو "دابق"، وكيف حاول الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك ثم المجموعات المسلحة المعاصرة (كتنظيم القاعدة وتنظيم "داعش") تنزيل هذا الحديث تعسفياً على الواقع المعاش، واتخاذ منطقة دابق رمزاً لمعركتهم الكبرى المفترضة لتبرير أفكارهم واستقطاب المقاتلين.

4. أحاديث الذبح وإباحة دم الخصم: ينقد الباحث استدلال الجماعات المتطرفة بحديث «لقد جئتكم بالذبح» وحديث «بعثت بالسيف بين يدي الساعة»، وإلغاء الأحكام القطعية الصريحة التي تحرم دم المسلم وتدعو للكف عن من قال "لا إله إلا الله"، مثل حديث أسامة بن زيد المشهور.

5. أحاديث فضل الجماعات المسلحة في الشام وحديث فتنة الأحالس: يناقش استغلال أحاديث فضل الشام والتمركز حول دمشق لاستقطاب السذج للقتال في الحروب الأهلية المعقدة، وتبرير الفشل والهزائم المتكررة باسم الاستعداد لظهور المهدي وفتنة الأحالس.

6. تأويل أحاديث النهي عن القتل: يبين الفصل كيف يعمد قادة التنظيمات إلى تحريف معاني الأحاديث الناهية عن القتال بين المسلمين («لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم أعقاب بعض») واعتبار خصومهم كفاراً أو مارقين لإباحة قتالهم.

الخاتمة (ص 59 - 60):
يلخص الباحث في الخاتمة النتائج الرئيسية التي انتهت إليها الدراسة، مشدداً على أن التجربة التاريخية والمعاصرة أثبتت أن خطورة التطرف لا تكمن في النصوص ذاتها بل في منهج الفهم والتأويل المنحرف. ويؤكد الباحث أن التحدي الأساسي يكمن في غياب الفهم المقاصدي والالتزام بضوابط الفتوى الراسخة لدى التيارات الراديكالية. ويختتم بالدعوة إلى ضرورة استعادة المرجعية العلمية المعتدلة، وترسيخ قواعد التثبت والأخذ بالإجماع والفقه الشامل للواقع والمقاصد، لحماية عقول الشباب وصيانة دماء المسلمين والمجتمعات من آفة التكفير والتأويل الجاهل.

قائمة المصادر والمراجع (ص 61 - 65):
توثق القائمة بتفصيل دقيق ومصنّف كافة المصادر والمراجع التي أُقيمت عليها الدراسة. وتضم القائمة دواوين الحديث النبوي الشريف وصحاحه (صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن ابن ماجه، سنن النسائي، مسند أحمد، صحيح ابن حبان)، وكتب الشروح الحديثية (فتح الباري لابن حجر، إرشاد الساري للقسطالني، التوشيح للسيوطي، شرح صحيح البخاري لابن بطال)، وكتب أصول الفقه والفتوى (المستصفى للغزالي، الموافقات للشاطبي، إعلام الموقعين لابن القيم، روضة الطالبين للنووي، الذخيرة والإحكام للقرافي)، بالإضافة إلى كتب التاريخ والفرق والدراسات الفكرية المعاصرة باللغات العربية والروسية والأجنبية.


Leave feedback


* Please make sure to fill out all these fields